‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 3 مارس 2013

برد الشتاء


فى الظلام الدامس جلست أكتب وصيتى على ضوء تليفونى المحمول الذى نبح صوته ليخبرنى أن البطارية المسكينة ضعيفة, وكلما رن كلما أسرعت فى الكتابة لعلى أكمل الوصية كلها اليوم ولا أضطر أن أجلس هكذا ثانية فأنا مشغول هذه الأيام, قالها فريد ولازالت تترد فى أذناي..ليل الشتا..دن دن..غداً بإذن المولى سأقوم بتجميع كل ماعندى من أكياس كبيرة لأرمم بها السقف حتى لا يهلكنى المطر ويوقظنى من "أحلاها نومة" فتمتلئ نفسى بالطمأنينة..فى ظلام دامس لا يهم..سأرتاح من الرقص تحت المطر عدة أيام..الكثير يحب المطر..وينتظره من الشتاء للشتاء..ويرمز له بالرومانسية..لكنى اعتبر الوقوف تحت المطر "قلة أدب", كيف يكون لدى بيت جميل يحمينى وأتركه لأجول فى الشارع وألهو؟!!.."ما علينا " لأكمل الوصية, مهلا أنا لم أكتب شيئا بعد..حسنا سأوزع أملاكى الآن..بداية كتبى سأعطيها "لعبدو" لطالما ألح علي ليشتريها بثمن منصف- فى رأيه- لهذه الكتب فالشئ المستفاد منها هو " الورق وفقط".. ثانيا الدفاية , لا أعرف لمن أعطيها فهى غالية على قلبى  أدفئتنى أيام طويلة وأريد ألا " تتمرمت" بعدى وكانت تعمل أحيانا "كسبرتاية" تقوم بعمل ألذ قهوة عرفتها, أفكر أن أعطيها "للشيخ أبو سليمان" تساعده فى عمل بخوره المعينة على الحياة, التى تعطى سببا للشحاذين والفقراء يتقبلون أحوالهم, أو من الممكن أن تقوم بفك العمل و" البلد دى تقب على وش الدنيا"..حقا سيقوم بخدمة عظيمة :D
وهذه قد انتهينا منها..ثالثا..ماذا سنعطى لمن؟..تذكرت..قلمى هذا الذى أكتب به..لمن أعطيه؟!!..أفكر فى شخص ما, ولا أعلم إن كان حيا أم ميتا, سأعطيه لمعلمى الأستاذ "راضى", وسأكتب إلى أستاذى الشريف راضى:
     السلام عليكم, بعد التحية أعطيك قلمى هذا وأوصيك خير بكل تلاميذك, وأدعو فيك الرحمة, لا تعلم أحدا فقير, لا تعلم أحدا" مالوش دهر" فى تلك البلد, إن رأيت بريق العلم فى عين طفل, أو صبى أمسحه وجهه فى المكان السليم, علمه أن العلم ليس سلاحا, بل هو عيب مدام لن يساعده أحد بعدك, طالما سينشأ فى بلد تطرد كل فكرة خارج الإطار, خارج سياق الأغنياء وأصحاب المناصب, أى فكرة تحلم بعيش حرية عدالة اجتماعية, علمه أن مايبحث عنه ليس هنا, ليس فى هذا البلد الممزق, علمه أن العلم إن لم يجد من يقدره سيموت..علمه أن حلمه سيموت, وأفكاره ستبور, فى بلد كل شئ يبور إلا الشعارات و" الضحك على الدقون"..فى النهايه أوصيك أن تحفر لقلمى قبرا بجانبى, فكما أحيا فيا حب الحياة, قتلنى حسرة عليه..
                                                                                                     مع تحياتى
                                                                                                                د\ عماد

ياه كم تخلصت من هذا الحمل, فهذا القلم اللعين أجبرنى على كتابة رسالتى, وأكمل الدكتوراه, كنت فخورا فى البداية,"الدكتور راح الدكتور جه" لكن العلم هنا "مبيأكلش عيش" وها أنا أعيش فى الخلاء, أتبع أساليب القدامى فى البقاء, بعدما كان لدى حجرة فوق سطوح العمارة أسكن فيها وأتهنى, لا أعلم لماذا أطعت قلبى عندنا خرجت فى الثورة, معتصما فى التحرير, لأعود فأجد صاحب العمارة قد أزال الحجرة وبنى ستة أدوار فوقها, خاننى قلمى وقتها وأصر على أن يكتب شكوى لكن يكتب لمن والبلد "مالهاش حاكم" فتعصب الرجل وطردنى, لأعود للخلاء, لكنى لم أعد بمفردى , فالعمارة سقطت على رؤوس ساكنيها..آه رأسى..يبدو أن المطر عاد ولا نوما الآن, سأذهب لأتفقد السطح..وأتمنى عندما أعود أن أكمل هذه الوصية وألا ينفذ الشحن..فالكهرباء منقطعة منذ 3 أيام....

/

هدير محمد

جسم هلامي


تائه هو بين طيات عقل ، لا يحمل اسم ولا هوية ، بلا وطن بلا مأوى ، يتلاشى تدريجيا ، هناك على الحافة المطلة على الجزء الأكثر حرارة من الشمس المشتعلة حمرةً في وسط ليل حزين ، يقبع في تلك البقعة جسم هلامي ، يذوب  و يتبخر ، يتوارى خجلا ، يتكثف ويعود ثانيةً ، يتراءى إلى الناظر أنه يتناقص تدريجيا ، وفي أحيان كثيرة يتزايد فجأه ، يتحول إلى أشكال كبيرة وأحيانا صغيرة ، حلقات معدنية ، أطباق طائرة ، وعصافير مغردة ، لكن الصوت يخرج كقرقعات الملاعق المعدنية في أكواب زجاجية ، كان هناك من يراقبة  لشدة حرصه على دراسة هذا النوع من المركبات ، المركبات القادرة على التحول إلى شيء آخر ، والإنتقال من حالة إلى أخرى دون المرور إلى الحالة الوسطية ، كان منبهراً بذاك المخلوق ، إن استطعنا تسميته مخلوقا ، وضعه في صندوق أسود ، بعيدا عن أي لون أو أي شيء قد يتشابه معه ، لكن الهلامي التصق بكل جزء من الصندوق ، أصبح شيئا أسود قميئا ، وذلك الأجوف المتخاذل كعادته ، يتناسى ما لا يحتاجه ، يتركه وحيدا بعيدا متسلسلا حتى يضمن وجوده حال تذكره له ، تناساه فترة لانشغالة في بحث يعمل على تحويل البشر امثاله - أولئك الذين لم يعودوا يملكون قطرة دم واحدة تسير في شريان يوحد خالقه داخل جسدهم - الى اجساد هلامية كذاك القابع بعيدا في صندوق أسود ، منسي ولن يتذكره أحد أبدا ، وما إن أثبت أن الهلامية تشكل مكوناً رئيسيا في جسد اولئك المنتسبين للحياة عنوةً ، تذكره ، تذكره و قرر ان يفاجيء الهلامي بتجربة فريدة ، سيحقنه داخل جسد هِرَه ، كل ما كان يشغل تفكيره آن ذاك ليس قبول الهلامي وعدمه ، أو حتى كيف سيتأثر ، ولا تظنوا أن القطة حظيت بجزء من عطفه ، كل ما لفت انتباهه متأخرا ، هل سيضحي بكل حجم الهلامي ، " ماذا لو لم أنجح ، سأكون كتبت شهادة موت بحثي قبل أن يولد ، ساحاول تجزة الهلامي إلى قطع منفصلة في صناديق سوداء مختلفة حتى لا تنفذ الكميه" – قالها محدثا نفسه ، وبقى الهلامي الوحيد في تلك العلبة الأشبه بالنسبة له بلاشيء ، فهو لا يرى أو يدرك أو يسمع أي شي ، لكن الأبلة الآخر المنتسب إلى العلم سذاجة مِنْ مَنْ يهبون العلماء ألقابهم ، نسي الأحمق ... ،  نسي تماما أن الهلامي يمكن أن يتلاشى بعيدا ، وبعيدا جدا أيضا ، نسي أنه يتبخر ويتكثف ويتشكل ، جاهل في رتبة عالم ، مثيرٌ للسخريةِ وبشدة ، وما إن انتهى من جمع الصناديق الكثيرة التي كلفته في صنعها الكثير ، فتح الصندوق الأسود المقيت ليفاجأ بإنه خال تماما من كل شيء ، حتى حبات الهواء ، تفحصه بعقله الصدِيء البائس ، تفحص كل جزء فيه ، صنع منه شرائح ووضعها تحت ميكروسكوبه الضوئي ، آملا أن يرى أي شيء ، أي شيء يثبت حتى أن الهلامي كان قابعا فيه ، لكنه لم يرى شيئا ، أي شيء ، " لم يكن هناك وجود يوما ما لكائنك الهلامي هذا سوى داخل خلاياك المعطوبة أيها البائس الحزين " كانت هذه الكلمة تتكرر في المكان من حوله ويضج بها الفراغ ، قرقرات الملاعق في الأكواب الزجاجية ، يزداد اللون إحمرارا من حوله ، يذوب ، يتبخر ، صرااااااخ ، ينتفض من فراشه ، يلهث من شدة الحرارة ، اووووووه ، كان كابوس شديد الأذى لقد اتلف ما تبقى له من خلايا في عقله ، لوهلة تذكر ، عاد ليتفقد الصندوق الذي وضع هلاميه فيه بالامس ، مبتهجا قلقا ، نصف مبتسم أنه كان يحلم ونصف حزين يخشى أن يتحقق الحلم ، فتحه ، ولاشيء ، لاشيء هناك ، لا بقايا ، لا شيء ، لفت انتباهه ذلك الضوء الأبيض المنبعث من داخل غرفة نومه ، عاد أدراجه لم يجد شيئا لكنه ارتطم في المرآة المعلقة على جدار غرفته تلك ، انبعجت يده ثم عادت لوضعها ثانيةً ، الأحمق لم يلحظ هذا ، نظر إلى ذاته المرهقة في المرآة  ، وضع يده على صورة وجهه فيها قائلا لذاته البائسه " يالك من تعيس ، أنت لا تملك سوى أن تعود لسريرك مرة اخرى " ، جَرَّ اذيال خيبته وعاد ليباشر كوابيسه ، تلك التي ينعتها بالأحلام ، لم ينتبه على الذرات الهلامية التي بقيت على المرآه بعد ملامسته لها ، لم يدرك الأحمق أنه هو ذاته الجسم الهلامي 
، فكيف عساه يجد نفسه في علبة لم يحبسه فيها سوى عقله المريض فقط  .

/

منى بدران


باب


لَم أطق أن أرتدي ثوب الرَحيل لأنه لم يكن يُنسابني، ولم أكن من تلك الطبقة التي تستدعِيني أن أتكبر إلى ذلك الحد ! أنا أبسطُ من ذلك ، وأصدق في حبي لكَ من ذلك ، وهذا ما دفعني أن أنزع عني أردية التكلف وأنا بطريقي الطويل إليك ! حدقت مُجدداً في العنوان المكتوب بورقة جعدها طول إمساكي بها على مدار الساعات ثم رفعت نظري لأتأكد أنه العنوان الصحيح ،لم يُكن هناك شيء يدلني على صحة العنوان من عدمه، سوى أنني استشعرت صمتاً ملبداً فوق المكان ، ها هو ذا بابك أخيراً ! غرقت في لحظة هلعٍ وأنا أنظر لدرجات السلم التي تفصل بين حذائِي الرياضي وبين لوح خشبي مطلي بلون كلون الحزن ، ماذا توقعت أن يكون لون بابك .. فكرت أن أعاود أدراجي لأنني لم أرتب في واقع الأمر شيئاً لأقوله ، ولم أحضر معي شيئا قد يسعفني حين أسقط مغشياً علي ما أن أراك ، لكني أغتلت سريعاً فكرة الهرب قبل أن تغتال حضوري ، فلم أكن لأجتاز المسافة تلك كلها ثم أفر هرباً ما أن أرى أنياب اللقاء ، "يلزمكِ بعضُ الشجاعةِ ولا أكثر " تلوت تلك العبارة لنفسي عدة مرات قبل أن أمد ذراعي في توجس وأضغط رنين الجرس وأتسمر خيفة ما بين الدقائق التي مرت قبل أن أعاود الكرة .. ثلاثة مرات متعاقبة ، والصمتُ المريع هو من كان يجيبني في كل مرة ، عجزت عن التفكير في شيء محدد وقد تبعثرت كل عواطفي كل في اتجاهـ ، جرجرت قدمي وألقيت بجسدي على أول درجات السلم ، وأنا أستجمع شتات فكري بأول خاطر راودني وهو أن الوقت دوما في الإنتظار قعيد ! وأنا التي تجرعت لوعة الإنتظار مرارا وتكراراً كيف تملكتني الشجاعة بعدها لإجتاز كل تلك الأميال فقط وفقط كي أراك ؟ كيف لم أفكر قبلاً .. أنها لم تكن قط مسألة أميال أو بلاد أو حتى قارات.. فأنا يفصلني عنك باب .. عرضه سنتيمترات قليلة ، وما زال يعد الحد الفاصل بين الوصل والقطيعة ، بين الحياة والهجران .. بين عالمي وعالمك . وبين قلبي وقلبك ! أدركت تواً أنني مرهقة جداً من طول الطريق ، بل إنني مرهقة من قبلها بكثير وكان يسكُن ألمي لهفة لقاء !، تنهدت صمتاً وأنا أمسد ظهر الورقة المنهكة قدر إنهاكي .. قبل أن أدفعها تحت عقب الباب وأنا أقول لها في حزم .. هُنا ينتهي بك الطريق ، أما أنا ،، فأمامي سفر طويل.. ألقيت نظرة أخيرة على ذلك الباب.. قبل أن أبدأ مسيرتي مبتعدة عنه وأنا أدندن .. نعم .. لم تكن قط ... مشكلة أميال ..

/

مروة مصطفى

حكاية من لم يُقتل في موقعة الجمل


(1)

كي لا ننسى.. أننا نسينا.

(2)

الواحدة ظهرًا..

أسير بعابدين في طريقي إلى التحرير، يلفت انتباهي صورة لمبارك على خلفية سيارة أجرة.
أنزعج.. كانت هذه أول مرة أرى صورته في الشارع منذ 25 يناير، أتقدم من السائق وأخاطب عاطفته قائلاً:

ــ الرجل ده قتل ناس كانوا جنبي يوم 28.

التفت لي ببطئ وقال بابتسامة واسعة:

ــ وحنقتلك إنت كمان.

إرتبكت من المفاجأة.. كل من لقيته منذ 25 كان يكره مبارك أو على الأقل غاضبًا من الدم في 28 يناير.. اكتشفت وجود مؤيدين للرئيس واكتشفت أنهم يريدون أن يقتلوا من أجله.

والأهم اكتشفت أن أحدهم يهددني بالقتل.

لم أنفعل عليه.. فلن اشتبك مع مصري لمجرد أنه يؤيد سلطة أعارضها.. تركته واتجهت لاعتصامنا بالميدان، لكنه تابعني قائلاً:

ــ رايح التحرير.. إنت حر.. حنرجعك من هناك قتيل.

بدا لي تافهًا.. لكن بعد ساعة من وصولي الميدان وجدت من يدخل علي خيمة الاعتصام ليبلغنا بأن هناك «بلطجية» يقتحمون التحرير.

إعتبرته يبالغ فقد كنا آلافًا وآلافًا..أي بلطجية يجرؤا على مواجهة كل هؤلاء؟

أخرج فأجد حشودًا هائلة تتقدم بمحازاة محل كنتاكي في بداية مدخل عبدالمنعم رياض.

نجمع أنفسنا ونصطف أمامهم لنشكل حائطًا بشريًا يصد تقدمهم.

أمامنا آلاف يحملون صور مبارك ويهتفون بحماس:

ــ مش حيمشي.. انتوا تمشوا.

نرد بهتافات معادية للرئيس، يجذب أحدهم الكوفية الفلسطينية التي أحملها.. فاختطف منه علم مصر.
يرد لي آخر الكوفية، بعدما انتزعها من زميله ويقول لي:

ــ مش عايزين نعض في بعض.

أربت على كتفيه مؤيدًا بعصبية.

تهدأ الجبهة وأساعد مجموعة من شباب الإخوان في الفصل بين الصفين.

تمر دقائق.. وفجأة يشتبك اثنان على بعد أمتار.. فننظر لوجوه من يواجهونا وينظرون لنا.
يبدو أننا سنشتبك.. فنرتبك.

يتسع الشجار بالأيدي.. ثم أرى حجارة تندفع من خلفهم نحونا فتصيب من بجواري.. وحجارة تندفع من خلفنا إليهم.

أمد يدي إلى الأرض وأتناول حجرًا أسفًا.. يقل أسفي عندما أجد من أمامي يفعل.

يلتقى الجمعان.. تبتعد الصفوف ونتبادل الحجارة.. فتصطدم حجارتنا بحجارتهم في الهواء.

كان بينهم فتيات جامعيات.. فأسال نفسي من هؤلاء، ولماذا نزلوا؟، ولكن يقطع «تأملاتي الفكرية» حجر يصاب به شاب بجواري في رأسه.

حسنًا.. سنسحقكم وبعدها سنعرف من أنتم.

تراجعوا أمام سيول حجارتنا إلى ميدان طلعت حرب، وتواصلت الاشتباكت في شارع جانبي يربط التحرير بطلعت حرب.

نتبادل الكر والفر بالشارع.. أرى شجعانًا من الطرفين يرفضون الانسحاب عندما يهجم الطرف الآخر فينتهي بهم الأمر إلى التكالب عليهم ضربًا.

يتساقط العشرات حولي.. فأتحول من إنسان إلى غضب.. أعلم لحظتها أن البشر كأسماك القرش تثير الدماء جنونهم
.
يتقدموا ويتصدرهم شاب يحمل سيفًا.. بدا شجاعًا.. يصيب فردًا منا.. فتتراجع مقدمتنا أمام السلاح الأبيض.

نكر عليهم.. نتقدم في مجموعة فيقف الشاب بثبات ملوحًا بسيفه في وجهنا بتحدي.. تقع عيناه في عيني فتبرق عينه وتلمع عيني.

يقترب مني بسيفه.. أقترب منه بحجري.

أركز.. وألقي الحجر بكل قوتي.

تتناثر دماء.

أتراجع لأفسح لفريقه أن يتقدموا لإسعافه.. وأنظر له وهو يتلوى من الألم..

أنا منذ الآن غيري.

(3)

عن أولئك الذين نرميهم بالحجارة ولا ندري من هم.

(4)

الرابعة عصرًا..

يتصل بي من كان صديقي..

كان يكره مبارك ويتمنى تكرار تجربة تونس.. فوجئت به يحدثني ببرود عن ارتباكه ورفضه النزول في فتنة.

ــ فتنة إيه يا روح أمك.. بقول لك جايين يقتلونا في الميدان.

سكت طويلاً..لم يتخيل يومًا أن أتحدث هكذا.. فعلاً.. ولكنني لم أتخيل يومًا أن ألقى الحجارة على وجوه البشر.

اعتبرني صفيقًا واعتبرته جبانًا.

فيما بعد التقينا.. حاولنا تجاوز ما حدث.. حاولت أن أعود متسامحًا أحترم خيارت البشر وحاول أن يعود رجلا.

(5)

البشر كانوا هناك.. كيف لم تروا سوى جمل؟

(6)

السابعة مساء..

داخل خيمة الاعتصام يرتجف صديقي المدرس بتشنج.. بدا مذعورًا بشكل مرضي.

أحاول إقناعه بأنه مدرس وليس دوره أصلا أن يقاتل.. أحكى له أن من خارج الخيمة ليسوا أبطالاً.. 

أغلبنا نقف على مسافة ونطرق على الحديد لإحداث ذعر للمهاجمين أو نكسر حجارة أو ننقل جرحى.
لم يسمعني.. ظل يردد:

ــ مش قادر أتحرك من مكاني.. مش قادر أتحرك.

عندما انتهت المعركة كنا انتصرنا.. ولكني لم أرِ صديقي متحمسًا لا للنصر ولا لأي شيء آخر في العالم بعد ذلك.

(7)

الثورة كانت «ملفوفة لفة هدايا».. لم نكن نعرف بالضبط ما بداخل الهدية.

(8)

الثانية فجرًا..

ــ أنتم رجالة أنتم.. حيدخلوا علينا ويموتونا.

هكذا تقول امرأة في الأربعين من عمرها وهي تطل برأسها داخل خيمتنا.

كنا ممدين تحدت الغطاء مرهقين من اشتباكات تبدو لانهاية لها.. قمت بنصف جسدي وتأملتها قليلاً، ثم عاودت النوم بسماجة.

ولكن صديقي أحرج فهزني لنتحرك قائلاً:

ــ فيه ضرب فعلاً عند عبدالمنعم رياض.. قوم بينا.. كفاية نوم.

أتحرك بلا حماس، نتقدم نحو عالم مظلم تنيره قنابل المولوتوف، قرب الاشتباكات فتاه تضع لي كارتون فوق راسي، ثم تثبته بقطعة قماش حول وجهي، وبعد خطوات يضع أحدهم في يدي مجموعة حجارة.

هل نريد أكثر من ذلك لنواجه العالم؟

يسبقني صديقي بحماس.. يندفع جريًا نحو الصفوف الأمامية وهو يصرخ بمرح.
أرفع يدي صارخًا بدوري ببهجة..

مع الجري تسقط قطعة الكارتون من فوق رأسه فيتوقف لإعادتها.. قبل أن يواصل اندفاعه حتى يصل للمعركة. يختبئ خلف مدرعة من قنابل المولوتوف التي تتطاير حوله، ثم ينحني ليلتقط أول حجر.. لكنه ما إن يرفع رأسه ليلقيه حتى يداهمه حجرًا ثقيلا في صدره.

يسعل متألما.. فأقترب وأسنده حتى نتراجع إلى الصفوف الخلفية.

كان يتنفس بصعوبة، فأقلق من أن يكون أصيب في قفصه الصدري وأقول له:

ــ إحنا نجمع لهم طوب لغاية ما نطمن عليك.

يهز رأسه موافقًا.. فنبدأ في تكسير حجارة الرصيف ونقلها للأمام.

بمرور الوقت.. بدا واضحًا أن ما نجمعه لا قيمة له.. فالمشتبكون يقفون بالفعل فوق تل من الحجارة.
اتطلع بنظري إلى الصفوف الأمامية للحظة فيقول لي بصراحة:

ــ مستعد أموت شهيد.. لكن مش حقدر أعيش أعمى.. مش حستحمل واحدة زي دي ترشق في عيني.
نظر للأرض.. وواصل جمع الحجارة إلى الحجارة وهو يدمع ويقرأ القرآن.

(9)

أبكوا الشهداء.. أبكوا المصابين.. بالمناسبة.. أبكوا الناجين.

(10)

السابعة صباحًا..

الاشتباكات انتهت.. متاريسنا الصفيخ شارفت تمثال عبد المنعم رياض.. نقف خلفها بينما افراد قلائل من «العدو» فوق الكوبري يلقون حجارة بغل الهزيمة فلا تصل إلينا.

أخرج من بوابة شارع الفلكي وأمامي شاب أصغر مني وجهه مشوه من حادثة تصورتها قديمة.. أسير بجواره لنحمي بعضنا من اللجان الشعبية التى يسيطر عليها أنصار مبارك بالمنطقة.

فوجئت به يسألني:

ــ فيه حاجه في وشي؟

اندهشت من السؤال.. حاولت عدم الاستغراق في بشاعة الوجه فتابع:

ــ رموا علينا مولوتوف فلبست فى وشي.. معرفتش أخرج بالليل.. حطولي حجات قللت الألم.

هالني عدم إدراكه لحجم ما حدث لوجهه، فكرت كيف أصارحه دون أن أصدمه حتى قلت له:
ــ لازم تروح مستشفى فورًا.

ــ حروح آخد دش الأول وأطمن أمى.. زمانها مرعوبة.

دش.. يطمئن أمه.. كررت بعصبية أن عليه الذهاب لطبيب.

لم يرد ولكن بدأ توتري ينتقل إليه.. صافحني لنفترق عن محطة مترو محمد نجيب.

أتألم لمن خرج بوجه ولم يعد به.. لمح نظرتي فسألني:

ــ أنا إتشوهت؟..

/

محمود السقا

الحب العذري

نسمع كثيراً عن الحب العُذرىّ.. وكثيرٌ منا يعرف معناه بأنه الحب العفيف الطاهر النقي.. وهذا صحيح إلى حد بعيد وهناك من يفهمه على أنه حب من طرف واحد.. وهذا خطأ وأقرب التعريفات للصحة هو: الحب النبيل الشريف الذي يخلو تماماً من أي نزعة حسية جسدية وهو البراءة في أفضل صورة، يرتفع عن الدنايا ويسمو بالروح فوق الشهوات.
أصل كلمة العُذري جاء من قبيلة (بنو عذرة) إحدى قبائل قضاعة في شمال الحجاز يقيم أهلها ويسكنون بوادي القرى بين تيماء وخيبر، وسُمِّيَ بهذا الاسم واشتهر به، لشهرة أهل هذة القبيلة بهذا النوع من الحب الشريف فلقد كانوا يعيشون حياة رغدة مترفة هانئة بها شيء من الفراغ والاستقرار.. بلا منازعات ولا حروب كباقي القبائل فانتشر نتيجة لذلك الشعر الوجداني بما فيه من وصف للنفس والعواطف الإنسانية.. لدرجة أنهم اشتهروا بين العرب بأشعار الغزل العفيف وكان للإسلام دور كبير وأثر فعّال في ذلك، فلقد نهاهم الإسلام عن الوصف الصريح وانتهاك الحرمات كما أثَّرت بيئتهم الصحراوية بما فيها من سكون وصمت على إضفاء نوع من الشجن والحزن النبيل في أشعارهم  التي كانت عبارة عن غزل عفيف بما فيه من شرف وقدسية تجاه المرأة لدرجة حوّلتها إلى كائن ملائكي تحول قدسيته دون لمسه وحتى إن كانت هذه المرأة تحبه على نفس الدرجة وكانت تصله (يستطيع أن يراها ويحدِّثها) فإنه رغم ذلك يشعر باليأس والألم وفي بعض الحالات بالجنون ومع ذلك هو سعيد راضي بهذا الحب؛ وكانت المرأة أيضا سعيدة بهذا الحب رغم ما فيه من ألم ويأس.
عندما سألوا إحدى العاشقات عن الحب في قبيلتها قالت: "نحن قومٌ إذا عشقوا ماتوا!"..، وهناك من قالت: "نحن أرق الناس قلوبا.. فينا تعفف يورثنا رقة لدرجة تفنينا عشقاً"..، وفي مرة سألوا عاشقاً: ماذا تفعل لو ظفرت بمن تهوى؟، قال: "كنت أُمتِّع عيني من وجهها وقلبي من حديثها واستر منها ما لا يحبه الله، واعصي الشيطان في إثمها..، وعندما سألوا بثينة.. (عاشقة جميل) قالت: "ما عندي أكثر من البكاء إلى أن ألقاه في الدار الآخرة، أو أزوره وهو ميت تحت الثرى.
الحب العُذري عند العرب يقابله في الثقافة اليونانية الحب الأفلاطوني نسبة إلى الفيلسوف اليوناني الأشهر أفلاطون.. والذي رتِّب الحب منازل، أدناها الحب الجسدي الذي يتيح للإنسان الخلود من خلال الذرية والنسل، وهو ضروري لبقاء النوع، يلي ذلك الحب الروحي حيث يعشق المحب روح
المحبوب، وهو عنده له ذرية أيضا ولكن ذريته تكون عبارة عن خصال
الفضيلة والحكمة، ثم يأتي في أعلى المراتب، الحب المثالي.. (الأفلاطوني) وهو الذي يرقى فيه العقل فوق العالم الحسّي ويرتفع إلى عالم الجمال المطلق والمثالية، وهو الغاية التي ليس وراءها غاية.
من أشهر قصص الحب العُذرىّ:
قصة قيس بن الملوّح وليلى العامرية..، وقصة قيس بن ذريح ولبنى..، وكثير وعزة..، وجميل وبثينة..، وتوبة وليلى الأخيلية..، ومالك وظريفة..، والصّمّة وريّا..، وعروة بن حزام والعفراء..، وعبد الرحمن القس وسلاّمة..، والحارث بن خالد القرشي وعائشة بنت طلحة..، والعباس بن الأحنف وفوز..، و ذو الرّمة وميّة.

دا رد ضياء عزت لما سالته عن معنى قضاعة

"قضاعة يا ستي دة اسم قبيلة عربية في الجزيرة العربية والشام وهي من أهم وأكبر القبائل العربية لحد دلوقتي.. وهي متفرعة لبطون كتيرة جداً.. زي بني عُذرة اللي قلت عليهم في المقال.. واتسمت كدة نسبة إلى مؤسسها.. ومؤسسها ده تاريخياً اختلفوا مين هو:
هو.. قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وللا هو.. قضاعة بن معد بن عدنان "

/

ضياء عزت

مدحت



قال مدحت إني سأوحشه وبالأحضان أخذني. لم أكن في وعيي المعتاد عندما أخبرني أنه سيهاجر بالفعل
. يا مدحت كم فتاة حسناء ستفتقدك يا أخي؟. بلا فائدة. أراه يسير مبتعدًا. لم تكفِ اللحظات التي قضيتها معه بالتعرف به. كان قليل الكلام كثير التلفت. ولكن.. هل الهجرة هي التي ستفك عقدة لسانه وتجعله يبوح؟. رميت السيجارة حانقا ومشيت حثيثا. هل ما فعله الفتى صواب أو خطأ؟. كنت قد شارفت على الوصول إلى المنزل فوقفت على الناصية متأملا الموقف.
أحنقتني نظرات زوجتي قبل دخول البيت. من الأفضل التسكع قليلا الآن. ماذا لو هاجرت مثل مدحت تاركا الجميع؟. عكفت على العبث بحجر ألفتيه بيدي. قال مدحت مرة إنني جيد بالتصويب. رقبت قطة تقترب فرطمتها بالحجر. جريت مبتعدًا حتى وصلت إلى المنزل الحزين. استقبلتني امرأتي بورقة طلبات يجب أن أنزل وأبتاعها.
أمام البقال عبست في وجهه. فلم يرد ذكر النوتة بالحوار. أخبرته أني سأهاجر. فهز رأسه مطرقا. عبثت ببعض الحلوى وكدت أشتري شيئا. أعطاني حاجياتي فتلكأت في العودة. قلت: هل سأوحشك؟. أطلق ضحكة. تلتها سبة بذيئة.
وأشاح بيده.

/

أحمد منتصر
مدير دار نشر طنطا بوك هاوس

السبت، 2 مارس 2013

ركلة جزاء



ـ من هذه المرأة عزيزى بجوار ولدنا الأصغر ؟
ـ ربما هي زوجته
يحدق فيها قليلاً ..لا أعتقد فقد رأينا زوجته من قبل و هذه ليست هي
ـ إذن هي زوجته الأخرى
ـ يتزوج ثانية ..ما هذا الهراء ؟ ..ما هذا الجيل العابث ؟ و كيف يترك الأنوار مضاءة هكذا ؟ لم نكن لنفعل هذا ألا تذكرين ؟
ـ ربما يخاف الظلام ..ما الجديد في هذا.. ولدنا يخاف
يقطب جبينه في إستنكار ...ولدنا جبان ..هذا نتاج تدليلك المفرط له و تعنتك الدائم أمام رغبتى في تنشئته كجندى شجاع .. لقد حاربت و أديت واجبى نحو الوطن و هو يحصد التضحيات مزيد من الرفاهية ....
ينصت قليلاً هذا صوت قطرات الماء تتسرب من الصنبور ..أيضاً يهدر الماء و لا يصلح التسرب هذا تفريط و ليس إهمال فقط  هذه المياه عشنا لسنوات نبتهل إلى الله كى تأتى أمطار الحبشة بمداد النيل لنحيا و هو يقتل القطرات عبثاً
ـ اهدأ قليلاً يا حبيبى ..أعترف أنى دللته قليلاً و لكنه هو و أقرانه يحملون الكثير من الأعباء فرفقاً بهم
ـأخشى أن يتناحرون فيما بينهم فهذه الأرض أغلى من أي خلاف
ـ حبيبى و هذا أكثر ما احببته فيك
ـ أتذكرين منزلنا ؟
كان هادئ و جميل ..إشتقت لشجرة التوت الأحمر ,كانت أشهى ثمار أقطفها بيدى من النافذة عندما كنت أنتظر عودتك من العمل و كانت جارتنا نوال تنتظر معى بعض الأوقات ..أتعلم شيئاً ؟..و تنظر إليه بخبث و دلال ..كنت أغار عليك منها
ـ من ؟ نوال لالا كيف هذا ؟ لم أكن لأنظر لغيرك حبيبتى
ـ و لكنها كانت تتعمد أن تأتى قبل موعدك بقليل و رائحة عطرها تصل لجهة الشارع الأخرى
ـ ربما ..لا أذكر
إطمأنت قليلاً و أردفت ..أتذكر زفاف إبننا الأكبر
ـ أكيد فهذا يوم لا ينسى و رداؤك البنى المطرز أبدع تقسيم جسدك و بريق لآلئه أضاء عينيك
ـ ماذا؟ ..هذا كان رداء نوال
و صوت إرتطام أفزع الجالسين
ـ إيه ده يا حبيبى ؟
ينظر وراءه .. دى صورة تيتة و جدو وقعت و زقت الزهرية الصغيرة على الأرض ..أكيد القطة مش عاجبها البرواز .
 /

إيناس البنا

البُكاء من فرط اللذة



أقف – مثلى مثل العشرات حول عربية الكبدة- ماسكاً بساندوتش فى سعادة، أكاد أبكى من فرط اللذة، بعدما نُلت نصيبى من الكبدة – وسط نظرات الحسد والغيرة - بعد الوقوف أكثر من ثلاث ساعات وسط هذا الجمع الغفير من مريدى وعشاق عم عبدة.
بدأتْ المأساة بحكاوى صديقى مدمن الكبدة الشهير عن عربية الكبدة التى تمارس عملها الغير برئ فى وسط البلد، استقبلت كلامه بمزيج من السخرية والدهشة، صحيح أنا من عشاق الكبدة، لكن هذا الصديق اللعين يبالغ فى وصف روعة كبدة عم عبدة بطريقة مستفزة، لدرجة جعلتنى أشك أن عم عبده يطعم الناس من كبدته هو شخصياً، وحينما مررنا – أنا وصديقى اللعين- بالقرب من عربية كبدة عم عبدة صادف أنفى رائحة كبدة جعلته يصدر إلى مخى الجائع إشارات تسمى فى البيولوجى (إشارات الكبدة) مما جعلنى أطلب على استحياء من صديقى اللعين أن نلِج إلى ذلك الشارع الجانبى التى تختبئ فيه عربية الكبدة.
وبدخول الشارع لم أرى عربية الكبدة المزعومة، لكننى وجدت عشرات أو مئات من الأشخاص الذين تبدو عليهم أعراض الإدمان الواضحة، الجميع يمسك بذراعة مرتعشاً، عينيه حمراء من فرط الإحتياج للجرعة، يمدون أيديهم بجنيهات معدنية، متوسلين فى ألم، ولم أفهم الموقف إلا حينما اقتربت من الجمع الغفير وأدركت أن بين هؤلاء البشر تقف عربية الكبدة فى شموخ يتزعمها عم عبده الذى وقف أمام حلّة خالية من الكبدة إلا قليلاً؛ وقف يعبئ الساندوتشات من حلة خالية.. آلاف الساندوتشات تُعبئ وتختفى بين أصابع زغلول – صبى عم عبدة – هكذا كانوا ينادونه - الذى وقف يضع الساندوتشات فى أطباق بلاستيكية مصحوبة بمخيللات – تصغير مخلل- من اللفت والجزر والفلفل.
وبين آونة وأخرى يخرج من وسط تلك الكتلة البشرية شخص ظافر بطبق به ساندوتشان من الكبدة المتوجه بالمخلل، وسط أنظار الحقد والغيرة التى تلاحقه، يبتعد أمتار- بفعل القصور الذاتى- عن الكتلة البشرية المحيطة بالعربية وكأنما يخشى على غنيمته من السلب.
أصدرتُ صوتاً من الصعب كتابته، وقلت لصديقى اللعين بصوتٍ عالٍ: ما انشالله ما عنى أكلت كبدة ولا شوفتها، بقى أنا عشان آكل اتنين كبدة أقف كـ... وضع صديقى اللعين يده على فمى ومنعنى من إتمام كلامى قائلاً فى رعب: هششش .. اسكت الله يخرب بيتك بدل ما نتضرب، ناظراً فى خوف الى الكتلة البشرية التى تطايرت منها نظرات متفرقة إلينا على أثر سخطى المُعلن.
كالواقفين يوم الحشر وقفنا – أنا وصديقى اللعين – ننتظر دورنا فى الكبدة، وعيون عم عبدة تنظر إلى الزبائن فى قرف فيبتسم الزبائن فى نفاق مع إنحناءة رأس تعلن مبايعته زعيماً للكبدة لفترة رئاسية جديدة، ولما طالت وقفتنا إلى أن أوشك الربع الأول من الليل على الانتهاء دون أن تظهر الكبدة فى الأفق صرخت فى حرقة وقد ثارت كرامتى: على جثتى.. مش هاكل كبدة يعنى مش هاكل كبدة.. أنا ماشى من هنا.
أقف – مثلى مثل العشرات حول عربية الكبدة- ماسكاً بساندوتش فى سعادة، أكاد أبكى من فرط اللذة، بعدما نُلت نصيبى من الكبدة – وسط نظرات الحسد والغيرة - بعد الوقوف أكثر من ثلاث ساعات وسط هذا الجمع الغفير من مريدى وعشاق عم عبدة.
أحمد الصباغ
Sabbaghmail@yahoo.com

لماذا لا يموت الحنين ؟؟



أكتب ما تشاء عن الحنين ..
أسخر من نفسي ومنها ..
هل أكتب عن شيء أجهله ؟؟ لكني ربما أعرفه ..!!.. ربما ..!!
الحنين هو ذلك الشيء الذي يتخفى في عباءة الشوق وهو ليس بشوق .. يجعلك ترضخ له رغماً عن أنف قوانينك ومبادئك .. إنه إحساس يأخذك إلي الأحلام .. الخيال .. تستنشق رائحة بمجرد أن تشرع في فتح أبوابه .. فتجده في وطن أو كتاب أو مكان أو صورة معلقة علي الجدار أو مخبأه في دفاترك أو إنبوكس حسابك علي الفيس بوك .. وتتحسر علي تلك اللحظات التي ذهبت بلا رجعه ولا سبيل في تكرارها ..
أشعر بسخرية القدر عندما أكتب هذه الكلمات لكني أهز رأسي وأقول أن الأمر ليس أكثر من حالة تأتي لأي واحد مازال يحتفظ بشرائط قديمة لأفلام ذاكرته .. والنسيان وهم لأنه ليس هناك شيء يدعى نسيان .. فبشيء بسيط وتافهة ممكن أن تشعر بالحنين لأشياء كبيرة .. ويعود بك  التيار إلي أول الطريق بعد أن أوهمنا أننا قد اجتزناه إلي النهاية ..
 والسؤال الآن : لماذا لا يموت الحنين ؟؟
 لماذا لا يندثر الماضي مثلما تموت أجسادنا وتختفي ؟؟
أسخر من نفسي وأتهم عقلي بالأحمق .. كيف لعقلي أن يفسر هذه القوة الخفية التي تفوق قوة الجاذبية الأرضية والتي من الصعب تفسيرها منطقيا ..لكني قلت لنفسي ..
الحنين يتناسب طرديا مع مقدار الشحنات العاطفية الهائلة التي نفقدها يومياً ..
أتخيل نفسي ولدت في جزيرة ليس عليها سواي وقضيت عليها كل حياتي واسأل نفسي ساخراُ هل كنت سأشعر بالحنين ؟؟ أفكر قليلاً .. نعم سأفقد الزمن .. أن الأمر معقد .. وأكبر من عقلي الصغير ..
قلت : وهل الزمن فقط هو ما سأحن له ؟؟ فكرت كثيراً ولا جديد ..
وقلت : دعنا من الزمن لن احتاج له ولن أحن له .. لكن استدركت قائلاً : ستحن إلي أكلك .. ملابسك .. حذائك .. عاداتك .. صوتك .. حركتك .. نفسك ؟؟
قلت ساخراً : سأستغني عن كل هذا .. في وحدتي لن أكون بحاجه إلي كل هذا ..
لكن هل ستستغني عن نفسك ..؟؟
نفسي .. هل بعد كل هذا ستظل معي ؟؟ بالتأكد عندما أفقد كل هذا سأكون ميت لا محالة ..
ومن قال لك أن الموتى لا يشعرون بالحنين ؟؟
وفي دهشة : هل هم أيضا يباغتهم الحنين ؟؟
دب الصداع في رأسي وألتفت إليها ..
أكتب ما تشاء عن الحنين ..
أومأت ..
 سأكتب عن الحنين ..

لـ إبراهيم المحلاوي

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by NewWpThemes | Blogger Theme by Lasantha - Premium Blogger Themes | New Blogger Themes تعريب قوالب بلوجر